
الاستاذ مروان متشيخ يكتب: الهروب من الأراضي المحررة إلى الأراضي المحتلة!
بقلم: الاستاذ مروان متشيخ
قلقي على وطني، وغيرتي عليه، وحزني على ما آل إليه حال كثير من شبابه هي التي دفعتني إلى كتابة هذا المقال، لا رغبة في جلد الذات، ولا في بث اليأس، وإنما إيمانا بأن حب الوطن الحقيقي يبدأ بطرح الأسئلة الصعبة والبحث عن حلول صادقة.
إذ اخترت للمقال العنوان التالي : “الهروب من الأراضي المحررة إلى الأراضي المحتلة” .
من أكثر المشاهد إيلاما أن ترى آلاف الشباب المغاربة يخاطرون بحياتهم في محاولة للوصول إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، اللتين تعتبران جزءاً لا يتجزأ من الامتداد الجغرافي للمغرب… وهي مفارقة مؤلمة، فبدل أن يكون الاتجاه نحو بناء وتعمير الأرض التي انتزع ملكها وشعبها الاستقلال بالكفاح والنضال، أصبح بعض الشباب يغامر بالهروب منها نحو أرض ما تزال قضية استكمال الوحدة الترابية بشأنها مطروحة.
و لم تقتصر هذه الظاهرة على باب سبتة، بل امتدت كذلك إلى معبر بني أنصار، التابع ترابيا لإقليم الناظور، المؤدي إلى مدينة مليلية المحتلة، حيث شهد محيطها أحداثا اتسمت بأعمال شغب ومواجهات مع القوات العمومية، و تعرضت خلالها بعض الممتلكات العامة والخاصة لأضرار، كما أُضرمت النيران في عدد من المركبات، فيما تمكن عدد من الأشخاص من الوصول إلى الأراضي المحتلة رغم التدخلات الأمنية. و في المقابل، تداولت وسائل إعلام و تقارير مشاهد مختلفة عند باب سبتة، حيث بدا التعامل مع تدفق المهاجرين مختلفا في ظروفه وسياقه.
غير أن جوهر القضية لا يكمن فقط في كيفية التعامل الأمني مع هذه الأحداث، بل في السؤال الذي تفرضه هذه المشاهد على الجميع : لماذا وصل هذا العدد الكبير من الشباب إلى مرحلة يفضّل فيها المخاطرة بحياته لعبور الحدود؟ ولماذا أصبحت الوجهة هي مدينتان يعتبرها المغرب رسميا أرضين محتلتين؟
إن الشاب الذي يركض نحو الحدود لا يفكر في الجغرافيا ولا في التاريخ، بل يفكر في فرصة عمل، و في كرامة العيش، و في مستقبل يعتقد أنه قد يجده في الضفة الأخرى، و قد يكون هذا الاعتقاد صحيحا أو مبالغا فيه، لكنه يعكس شعورا لدى كثيرين بانسداد الأفق و فقدان الأمل.
وأمام هذه الوقائع، تبرز أسئلة مشروعة تستحق أجوبة واضحة من الجهات المسؤولة: هل الحكومة على اطلاع كامل بما يجري؟ و هل سنرى رئيس الحكومة أو الناطق الرسمي باسم الحكومة يخرج للرأي العام ليشرح حقيقة ما يقع، ويبين أسبابه، و الإجراءات التي ستتخذ لمعالجة هذه الظاهرة؟ فالمواطن من حقه أن يفهم، ومن واجب المؤسسات أن تتواصل معه بشفافية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأحداث بهذا الحجم.
ومعالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية وحدها، مهما كانت أهميتها، بل تستدعي معالجة عميقة لجذور المشكلة، من خلال توفير فرص الشغل، وتحسين التعليم، و تعزيز العدالة الاجتماعية، و إعادة الأمل إلى الشباب حتى يصبح مستقبلهم داخل وطنهم، لا خارجه.
و يبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع : كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها بعض أبناء هذا الوطن يهربون من أرضهم المحررة إلى أرض يعتبرها وطنهم محتلة؟ إنه سؤال لا يبحث عن إثارة الجدل، بقدر ما يبحث عن الحقيقة، لأن الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو إيجاد الحل.






