بين رواية الدولة وأسئلة الواقع.. هل يكفي تحميل “التضليل الرقمي” مسؤولية أحداث سبتة ومليلية؟

ريف ديا – يوسف الريفي

في أول تعليق رسمي على الأحداث التي شهدتها محيط سبتة ومليلية، قدمت وزارة الداخلية رواية متماسكة تفسر ما جرى بعوامل متعددة، من بينها التضليل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وشبكات الاتجار بالبشر، وسوء فهم بعض المستجدات القانونية المتعلقة بالهجرة. وهي قراءة تبدو منطقية في جانب منها، لكنها تظل غير كافية إذا أريد لها أن تقدم تفسيرا شاملا لظاهرة باتت تتكرر كلما تجددت آمال الهجرة.

لا أحد ينكر أن الفضاء الرقمي أصبح أداة فعالة لنشر الإشاعات واستدراج الشباب عبر وعود كاذبة، كما أن شبكات الاتجار بالبشر تستغل هشاشة فئات واسعة لتحقيق أرباح غير مشروعة. لكن اختزال آلاف محاولات العبور في هذه العوامل وحدها يثير تساؤلات مشروعة حول الأسباب العميقة التي تدفع عشرات الآلاف إلى المخاطرة بحياتهم.

فالذي يقرر السباحة نحو الضفة الأخرى، أو يقتحم الحدود رغم معرفته بالمخاطر، لا يتحرك فقط بسبب منشور على منصة اجتماعية أو إشاعة انتشرت عبر تطبيق للمراسلة، بل تحركه أيضا ظروف اقتصادية واجتماعية ونفسية معقدة، تتداخل فيها البطالة، وضيق الأفق، وتراجع الثقة في إمكانية تحسين الوضع داخل الوطن، إلى جانب الإغراء المستمر بصورة الحياة في أوروبا.

لقد كشف التصريح الرسمي عن أرقام كبيرة لمحاولات العبور، وهو ما يستدعي وقفة تأمل حقيقية. فحين يصل عدد الراغبين في الهجرة إلى هذا المستوى، فإن القضية لم تعد مجرد نجاح لشبكات التهريب أو تأثير للتضليل الرقمي، بل أصبحت مؤشرا على أزمة أعمق تتطلب معالجة تتجاوز المقاربة الأمنية، مهما بلغت نجاعتها.

صحيح أن الدولة نجحت، وفق روايتها، في احتواء الوضع وحماية الحدود وإنقاذ الأرواح، وهي مسؤولية سيادية لا خلاف حولها، لكن نجاح التدخل الأمني لا ينبغي أن يحجب الحاجة إلى تقييم السياسات العمومية الموجهة للشباب، وإعادة طرح سؤال التنمية والعدالة المجالية وخلق فرص الشغل، خصوصا في المناطق التي تشكل خزانا للهجرة غير النظامية.

ومن اللافت أيضا أن البلاغ ركز على تصحيح الأرقام المتداولة وعلى دحض بعض الروايات المنتشرة، لكنه لم يقدم معطيات كافية حول الخطوات المستقبلية لمعالجة جذور الظاهرة، وكأن المطلوب هو فقط تفنيد الأخبار، بينما ينتظر الرأي العام رؤية شاملة تمنح الشباب أسبابا للبقاء بدل البحث عن منافذ للهجرة.

إن مواجهة الهجرة غير النظامية لا تبدأ عند الأسلاك الشائكة ولا تنتهي عند السواحل، بل تبدأ من المدرسة، وسوق الشغل، والسياسات الاجتماعية، ومن بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فكلما ضاقت فرص العيش الكريم، اتسعت مساحة الأمل في الضفة الأخرى، مهما كانت المخاطر.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذه الأحداث: هل نكتفي بمواجهة نتائج الظاهرة، أم أن اللحظة تستدعي فتح نقاش وطني صريح حول الأسباب التي تجعل آلاف الشباب يفضلون ركوب المجهول على انتظار مستقبل لا يرونه قريبا؟

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى