من قلب الأحداث إلى الرأي العام.. كيف واجه الصحفيون مخاطر التغطية الميدانية

ريف ديا – الناظور

في خضم الأحداث الاستثنائية التي شهدتها مدينة بني أنصار بإقليم الناظور، المحاذية للحدود مع مدينة مليلية المحتلة، إلى جانب التطورات التي عرفتها مدينة الفنيدق بإقليم تطوان على مشارف سبتة المحتلة، وجد الصحفيون والمراسلون الميدانيون وعدد من صناع المحتوى الجادين أنفسهم أمام اختبار حقيقي للمهنية، والمسؤولية، والالتزام بأخلاقيات العمل الإعلامي.

وقد اتسمت هذه الأحداث بتطورات متسارعة، انطلقت بمحاولات جماعية للهجرة غير النظامية، قبل أن تتحول في بعض اللحظات إلى مشاهد من الفوضى والعنف، تخللتها عمليات رشق بالحجارة وإحراق عدد من المركبات، إلى جانب استنفار أمني واسع، ما جعل مواقع التغطية الإعلامية فضاءات مفتوحة على مخاطر متعددة وغير متوقعة.

وفي مثل هذه الظروف الدقيقة، لا يقتصر دور الصحفي الميداني على حمل الكاميرا أو تدوين الوقائع، بل يصبح مطالباً باتخاذ قرارات سريعة قد تتوقف عليها سلامته الشخصية وسلامة من يرافقه، فالتحرك وسط حشود متقلبة وفي مناطق قابلة للاشتعال في أية لحظة، يعرّض الإعلاميين لخطر الاعتداء أو الإصابة بالمقذوفات أو إتلاف معداتهم، فضلاً عن الضغوط النفسية والجسدية الناتجة عن العمل لساعات طويلة في أجواء يسودها الارتباك والتوتر وتسارع الأحداث.

وإلى جانب المخاطر الميدانية، برز تحدٍّ مهني آخر لا يقل أهمية، يتمثل في ضرورة التحقق من صحة المعلومات قبل نشرها، خصوصاً في ظل الانتشار السريع للإشاعات والمقاطع المجتزأة عبر منصات التواصل الاجتماعي. فقد عمدت بعض الحسابات والجهات إلى تداول معطيات غير دقيقة أو إخراج صور ومقاطع من سياقاتها الحقيقية، الأمر الذي ضاعف من مسؤولية الصحفيين والمراسلين وصناع المحتوى الجادين في تحري الدقة، ومقارنة المصادر، وتقديم رواية متوازنة تستند إلى الوقائع الموثقة.

ورغم كل هذه الإكراهات، اختار عدد من الإعلاميين البقاء في قلب الحدث، مدفوعين بإيمان راسخ بأن نقل الحقيقة من الميدان يشكل جوهر رسالتهم المهنية، وأسهمت تغطياتهم المباشرة في تمكين الرأي العام المغربي، داخل الوطن وخارجه، من متابعة تطورات الأحداث عبر مصادر ميدانية موثوقة، بعيداً عن التأويلات المتسرعة والروايات الناقصة أو المضللة.

وقد اكتسبت هذه التغطيات أهمية مضاعفة في ظل محاولات بعض المنابر الإعلامية الأجنبية المعادية للمغرب استغلال الأحداث وتوظيفها لخدمة أجندات دعائية، من خلال تقديم قراءات انتقائية أو استعمال صور ومقاطع خارج سياقها، بما يرمي إلى تشويه صورة المملكة والإساءة إلى مؤسساتها.

أمام ذلك، برز الدور المحوري للإعلام الوطني، بمختلف مكوناته، إلى جانب عدد من المؤثرين وصناع المحتوى الذين اشتغلوا بجدية ومسؤولية، حيث ساهموا في تصحيح عدد من المعطيات المتداولة، وكشف المغالطات، وتقديم صورة أكثر اكتمالاً وواقعية عما جرى، مع الحرص على احترام قواعد المهنية والتوازن وتجنب الإثارة المجانية.

ولم تكن الإشادة الواسعة التي حظي بها هؤلاء الصحفيون والمراسلون وصناع المحتوى سوى اعتراف مستحق بما أبانوا عنه من شجاعة وانضباط وحس عالٍ بالمسؤولية، فقد أثبتوا أن الصحافة الميدانية ليست مجرد نقل آني للأحداث، وإنما رسالة مجتمعية تتطلب التضحية والصبر والقدرة على العمل في أصعب الظروف، دفاعاً عن حق المواطن في الوصول إلى معلومة دقيقة وعادلة وموثوقة.

إن ما قدمه الإعلاميون خلال هذه الأحداث يعيد التأكيد على الدور الحيوي للصحافة الوطنية في حماية الحقيقة ومواجهة التضليل، وعلى أن الصورة الصادقة والمعلومة الموثقة تظلان أقوى سلاح في مواجهة حملات التزييف والدعاية، وهي مناسبة لتوجيه التحية لكل صحفي ومراسل ومصور وصانع محتوى اختار أن يكون في الميدان، رغم المخاطر، من أجل إعلام مواطن ومسؤول، يضع الحقيقة وخدمة المجتمع فوق كل اعتبار.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى