فلامنغو وردي يقترب من عامه الـ41 يحط بسبخات أركمان

ريف ديا – الناظور

شهدت سبخات أركمان، الواقعة شرق بحيرة مارشيكا بإقليم الناظور، رصداً علمياً استثنائياً لفرد من طيور الفلامنغو الوردي يناهز عمره 41 سنة، في اكتشاف يعد من أندر الحالات المسجلة لهذا النوع من الطيور البرية، ويعزز مكانة المناطق الرطبة المغربية باعتبارها فضاءات ذات أهمية إيكولوجية وعلمية على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط.

وكشفت معطيات علمية أن الطائر، وهو ذكر من الفلامنغو الوردي، يحمل حلقة تعريف مكنت الباحثين من تتبع مساره منذ سنة 1985، إذ جرى ترقيمه لأول مرة بمنطقة كامارغ جنوب فرنسا في 23 يوليوز من السنة ذاتها، ليبلغ اليوم 40 سنة و11 شهراً، ويصبح ضمن عدد محدود جداً من أفراد هذا النوع التي تجاوزت أربعة عقود من العمر.

وجرى رصد هذا الطائر من طرف سعيد أزاواغ، منسق الوحدة الجهوية للشرق التابعة للمجموعة المغربية لدراسة وحماية الطيور (GREPOM)، وذلك خلال عمليات المراقبة الميدانية المنجزة في إطار مشروع “PROZHUM”، الهادف إلى تتبع الفلامنغو الوردي ودراسة سلوكه بالمناطق الرطبة المغربية.

ولا تقتصر أهمية هذا الرصد على العمر القياسي للطائر، بل تمتد إلى كونه أول تسجيل موثق لهذا الفرد داخل المغرب والقارة الإفريقية، وهو ما يعكس قدرته الاستثنائية على مواصلة التنقل بين مختلف المناطق الرطبة في حوض البحر الأبيض المتوسط رغم تقدمه الكبير في السن.

ويكتسي هذا الاكتشاف أهمية إضافية في ضوء نتائج دراسة علمية حديثة نُشرت سنة 2025، خلصت إلى أن نمط عيش الفلامنغو الوردي، سواء كان مقيماً أو مهاجراً، يؤثر بشكل مباشر في وتيرة الشيخوخة البيولوجية ومعدلات البقاء والتكاثر لديه.

وأوضحت الدراسة، التي أنجزها الباحث Cayuela وفريقه، أن الأفراد المقيمة تستفيد غالباً من نسب بقاء مرتفعة وأداء تناسلي أفضل خلال السنوات الأولى من حياتها، ما يرفع احتمال بلوغها أعماراً متقدمة، رغم أن مظاهر الشيخوخة قد تظهر لديها بوتيرة أسرع خلال المراحل الأخيرة مقارنة بالفلامنغو المهاجر.

ومن الجوانب اللافتة في قصة هذا الطائر اختفاؤه عن أنظار الباحثين ومراقبي الطيور لمدة تقارب 13 سنة، وهي فترة لم يتم خلالها تسجيل أي ظهور له سواء في فرنسا أو إسبانيا، حيث سبق أن رُصد وتكاثر خلال مراحل مختلفة من حياته.

ويرى مختصون أن هذه “الفترة الخفية” تعكس قدرة الفلامنغو الوردي على الاستقرار أو التنقل داخل مناطق رطبة لا تشملها برامج المراقبة العلمية بشكل منتظم، الأمر الذي يمنح ظهوره الحالي بسبخات أركمان قيمة علمية مضاعفة، باعتباره يعيد رسم جزء مفقود من المسار البيولوجي لهذا الطائر المعمر.

ويأتي هذا الاكتشاف ضمن مشروع PROZHUM، الذي يهدف إلى دراسة بيئة الفلامنغو الوردي وتتبع تكاثره ببحيرة خنيفيس، إلى جانب تحديد المواقع المغربية المرشحة لاستقبال مستعمرات تكاثر جديدة لهذا النوع، وينفذه GREPOM بدعم من الوكالة الفرنسية للتنمية عبر مؤسسة Tour du Valat.

ويؤكد هذا الرصد الاستثنائي من جديد الأهمية البيئية التي تكتسيها بحيرة مارشيكا وسبخات أركمان، باعتبارهما من أبرز المحطات الطبيعية التي تستقطب الطيور المهاجرة، كما يبرز الدور المتنامي الذي تضطلع به المناطق الرطبة المغربية في احتضان أنواع نادرة ومسارات حياة تمتد لعشرات السنين، ما يعزز الحاجة إلى مواصلة جهود الحماية والرصد العلمي لهذا التراث الطبيعي الفريد.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى