ميناء الناظور غرب المتوسط.. هل يستفيد أبناء المنطقة من فرص الشغل؟

ريف ديا – الناظور

يطرح مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط نفسه باعتباره أحد أبرز الأوراش الإستراتيجية التي تراهن عليها المملكة لإحداث تحول اقتصادي وتنموي نوعي بجهة الشرق، بالنظر إلى ما ينتظره منه من أدوار في تعزيز جاذبية المنطقة للاستثمار، وتطوير المبادلات التجارية، وتقوية موقعها ضمن الدينامية الاقتصادية الوطنية والدولية. غير أن حجم هذا المشروع وأبعاده المستقبلية يضعان، في المقابل، مسألة استفادة الساكنة المحلية من ثماره، وفي مقدمتها فرص الشغل، في صدارة الانتظارات والأسئلة المطروحة على مختلف المتدخلين.

وفي هذا السياق، أعادت النائبة البرلمانية فريدة خنيتي، عن فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، والنائبة عن جهة الشرق وعضو لجنة القطاعات الإنتاجية، طرح إشكالية تشغيل الكفاءات واليد العاملة المحلية ضمن مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، واضعة بذلك واحدة من أكثر القضايا التصاقاً بالرهان التنموي للمشروع، أمام وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات.

وتنطلق النائبة البرلمانية في سؤالها من حجم الآمال التي علقتها ساكنة إقليم الناظور والمناطق المجاورة على هذا الورش الملكي الضخم، باعتباره فرصة حقيقية لإنعاش النشاط الاقتصادي وخلق فرص شغل قادرة على المساهمة في الحد من البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب والخريجين. غير أن هذه الآمال، بحسب مضمون السؤال، تقابلها حالة من القلق المتزايد بشأن مدى استفادة أبناء المنطقة فعلياً من فرص العمل المرتبطة بالمشروع ومرافقه والأنشطة الاقتصادية والخدماتية التي ستنشأ في محيطه.

ويكتسي هذا التخوف أهمية خاصة بالنظر إلى ما تشير إليه النائبة من ملاحظات بشأن استقطاب عدد من الكفاءات في بعض الوظائف، ولا سيما ذات الطابع التقني والإداري، من مراكز تكوين ومناطق خارج الإقليم، في وقت تتوفر فيه بالناظور طاقات شابة وخريجون في تخصصات متعددة، يمكن أن يشكلوا رصيداً بشرياً مهماً لإنجاح هذا المشروع والمساهمة في استدامة آثاره الاقتصادية والاجتماعية.

ولا يتعلق الأمر، في جوهره، بمطالبة بمنح امتيازات غير مستحقة، بقدر ما يرتبط بضرورة بناء منظومة واضحة وعادلة لتكافؤ الفرص، تتيح للكفاءات المحلية الولوج إلى فرص الشغل على أساس الكفاءة والاستحقاق، مع اعتماد آليات فعالة تضمن عدم تحول البعد الجغرافي إلى عائق أمام أبناء المنطقة الذين يتوفرون على المؤهلات المطلوبة. فالمشاريع الكبرى لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات التي تستقطبها أو بالبنيات التي تشيدها، وإنما أيضاً بقدرتها على خلق قيمة مضافة محلية وتحويل الدينامية الاقتصادية إلى فرص ملموسة لفائدة الساكنة.

ومن هذا المنطلق، تساءلت فريدة خنيتي عن الآليات والمعايير المعتمدة لضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الوظائف المرتبطة بميناء الناظور غرب المتوسط، وعن مدى وجود توجه واضح يمنح الأولوية للكفاءات واليد العاملة المحلية متى استوفت الشروط المطلوبة. كما استفسرت عن البرامج التكوينية الاستباقية التي جرى أو يجري تنسيقها مع الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات ومؤسسات التكوين المهني بالإقليم، بهدف ملاءمة مؤهلات شباب المنطقة مع طبيعة الحاجيات الدقيقة والمتطورة التي سيفرضها الميناء.

وتكتسي مسألة التكوين أهمية بالغة في هذا السياق، لأن الاستفادة المحلية من المشروع لا يمكن أن تظل رهينة بالانتظار إلى حين انطلاق مختلف الأنشطة، بل تستوجب استشراف حاجيات سوق الشغل المرتبطة بالميناء منذ الآن، وتحديد المهن والتخصصات المطلوبة، ثم إعداد وتأهيل الشباب المحلي وفق مسارات تكوينية دقيقة تستجيب لمعايير الجودة والكفاءة التي تفرضها طبيعة هذا الورش الاستراتيجي.

كما امتد السؤال البرلماني إلى جانب لا يقل أهمية، ويتعلق بالشفافية في قنوات الوساطة الخاصة بالتشغيل، خصوصاً بالنسبة إلى شركات المناولة والخدمات والشركات الشريكة التي ستنشط في محيط الميناء. ذلك أن اتساع دائرة المتدخلين يفرض، بحسب هذا الطرح، إرساء آليات واضحة للإعلان عن فرص الشغل وتحديد شروط الترشيح والانتقاء، بما يضمن وصول المعلومة إلى الباحثين عن العمل محلياً، ويحد من أي اختلال قد يحرم الكفاءات المحلية من فرص يفترض أن تكون متاحة على قدم المساواة.

وتعيد هذه القضية إلى الواجهة سؤالاً أوسع حول طبيعة النموذج التنموي الذي ينبغي أن تجسده المشاريع الكبرى بالمناطق التي تحتضنها. فحين تستثمر الدولة في بنية استراتيجية بهذا الحجم، فإن الرهان لا يقتصر على إنشاء منشأة اقتصادية ذات إشعاع وطني ودولي، وإنما يمتد إلى بناء منظومة اقتصادية محلية قادرة على الاستفادة من هذا الاستثمار، وخلق فرص جديدة أمام المقاولات والشباب والكفاءات، وتعزيز جاذبية المنطقة واستقرارها الاجتماعي والاقتصادي.

ومن شأن ميناء الناظور غرب المتوسط، بالنظر إلى موقعه وإمكاناته والأنشطة المرتبطة به، أن يفتح آفاقاً واسعة أمام قطاعات متعددة، من الخدمات واللوجستيك والنقل إلى الصناعات والمهن التقنية والإدارية والخدمات المرتبطة بالمناولة. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى مكاسب فعلية للمنطقة يظل رهيناً بمدى القدرة على استباق الحاجيات، وتأهيل الموارد البشرية، وتوفير منظومة تشغيل شفافة وفعالة، تجعل من الكفاءة معياراً أساسياً، وتمنح في الوقت ذاته للشباب المحلي فرصة عادلة لإثبات مؤهلاته.

تبقى معادلة التشغيل المحلي واحدة من المفاتيح الأساسية لضمان الأثر التنموي المستدام للمشروع، بما يجعل الاستباق في التكوين، والشفافية في التشغيل، وتكافؤ الفرص، وربط حاجيات المستثمرين والمؤسسات بقدرات الموارد البشرية المحلية، عناصر ضرورية لتحويل ميناء الناظور غرب المتوسط من ورش اقتصادي ضخم إلى رافعة تنموية متكاملة، يشعر المواطن في المنطقة بأن عائداتها تنعكس بصورة مباشرة وملموسة على مستقبله ومستقبل أبنائه.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى