ليلة 15 غشت ببني أنصار.. كيف نجحت المقاربة الأمنية في إحباط سيناريو الاقتحام الجماعي لمليلية؟

ريف ديا – الناظور

خرجت مدينة بني أنصار ومحيط المعابر المؤدية إلى مليلية المحتلة من ليلة السبت 15 غشت الجاري بأقل قدر من التوتر، بعدما لم تُسجل أي محاولة جماعية لاقتحام المعابر الحدودية أو السياج الفاصل، رغم الدعوات التي جرى تداولها على نطاق واسع عبر تطبيقات التراسل الفوري ومنصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية.

وإذا كانت ليلة 15 غشت قد مرت في أجواء هادئة، فإن ذلك لا يبدو منفصلاً عن خطة أمنية استباقية جرى تنزيلها على الأرض منذ أكثر من أسبوع، وشملت تعبئة واسعة لمختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية، إلى جانب تشديد المراقبة بمداخل ومخارج بني أنصار والنقط المؤدية إلى المنطقة الحدودية.

الاستباق بدل انتظار لحظة الاقتحام

أبرز ما ميز المقاربة الأمنية المعتمدة خلال الأيام الماضية هو الانتقال من منطق انتظار وقوع محاولة الاقتحام إلى العمل على منع تشكلها من الأساس.

فبدلاً من الاقتصار على تعزيز الحضور الأمني بمحاذاة السياج الحدودي والمعابر، جرى توسيع نطاق التدخل ليشمل محيط مدينة بني أنصار، ومداخلها ومخارجها، فضلاً عن عدد من الأحياء بمدينة الناظور، وذلك بهدف الحد من إمكانية وصول أعداد كبيرة من الشباب والقاصرين المرشحين للهجرة غير النظامية إلى النقاط الحدودية في توقيت واحد.

وفي هذا السياق، ساهمت السدود الأمنية والحملات التمشيطية في توقيف المئات من المرشحين للهجرة غير النظامية، الأمر الذي شكل، من منظور أمني، أحد العوامل التي حالت دون تشكل تجمعات بشرية كبيرة يمكن أن تتحول إلى محاولة اقتحام جماعي.

أكثر من 4000 عنصر في محيط بني أنصار

وتُظهر المعطيات المتداولة حجم التعبئة التي رافقت هذه العملية الأمنية، حيث تجاوز عدد عناصر القوات الأمنية والعسكرية التي جرى نشرها ببني أنصار ومحيطها 4000 عنصر، تم توزيعهم على عدد من المواقع الحساسة.

وشمل هذا الانتشار المعابر الحدودية المؤدية إلى مليلية، ومداخل ميناء بني أنصار ومحيطه، فضلاً عن طول السياج الحدودي، إلى جانب تثبيت نقاط للمراقبة بمختلف المحاور والمسالك التي يمكن أن تشكل طريقاً للوصول إلى المنطقة الحدودية.

هذا الانتشار الواسع لم يكن موجهاً فقط إلى التعامل مع أي محاولة اقتحام محتملة، وإنما شكل أيضاً رسالة ردع واضحة مفادها أن المنطقة الحدودية تخضع لمراقبة مشددة، وأن أي تحرك جماعي نحو المعابر سيواجه بتدخل أمني استباقي.

التكنولوجيا في مواجهة الدعوات المجهولة

جانب آخر من الخطة الأمنية تمثل في توظيف وسائل ومعدات متطورة في الرصد والمراقبة، بهدف تتبع التحركات المرتبطة بالدعوات المجهولة التي جرى تداولها خلال الأيام الماضية، والتي دعت إلى تنفيذ هجوم جماعي على مدينتي مليلية وسبتة المحتلتين.

وقد ساعد الجمع بين المراقبة الميدانية والوسائل التقنية الحديثة في بناء صورة أكثر شمولاً للوضع، ومراقبة مختلف النقاط الحساسة والمسالك المؤدية إلى المنطقة الحدودية، بما يسمح بالتدخل قبل وصول أي تجمعات كبيرة إلى المعابر أو السياج.

كما ساهم التنسيق بين السلطات الإقليمية ومختلف المصالح الأمنية والعسكرية في توحيد الجهود وتدبير المعطيات الميدانية بشكل متواصل، وهو ما عزز القدرة على التعامل مع أي تطور محتمل خلال الساعات التي سبقت الموعد الذي حددته تلك الدعوات.

تفكيك عناصر الخطر قبل وصولها إلى الحدود

اللافت في هذه التجربة أن الجزء الأكبر من الجهد الأمني لم يتركز فقط على خط الحدود، بل امتد إلى العمق القريب منه، حيث جرى العمل على توقيف عدد كبير من المرشحين للهجرة قبل تمكنهم من الوصول إلى المعابر.

وهنا تكمن إحدى نقاط قوة المقاربة المعتمدة: تفكيك عناصر الخطر على مراحل، بدءاً من رصد الدعوات والتحركات المرتبطة بها، مروراً بمراقبة المحاور المؤدية إلى بني أنصار، وصولاً إلى تعزيز الحضور الأمني في محيط المعابر والسياج.

وبذلك، لم تجد الدعوات المتداولة على مواقع التواصل ترجمتها الميدانية المنتظرة، بعدما حالت الإجراءات الاستباقية دون تشكل الكتلة البشرية التي كان من الممكن أن تشكل ضغطاً كبيراً على المعابر والمنشآت الحيوية المتاخمة لمليلية.

ليلة هادئة.. واختبار ناجح للجاهزية

مرور ليلة 15 غشت دون تسجيل هجوم أو اقتحام جماعي لا يعني بالضرورة انتهاء التحدي بشكل نهائي، لكنه يمثل، وفق القراءة الأمنية، مؤشراً مهماً على فعالية التدابير التي جرى اتخاذها خلال الأيام السابقة.

فالنجاح لم يكن في التصدي لاقتحام وقع فعلاً، وإنما في منع الظروف التي قد تؤدي إليه من التشكل، من خلال الحضور الأمني المكثف، والمراقبة الاستباقية، وتوقيف المرشحين للهجرة، وتأمين المعابر والميناء والسياج الحدودي.

كما أن عدم انتقال الدعوات الرقمية إلى فعل جماعي على الأرض يطرح سؤالاً أوسع حول فعالية شبكات التحريض والتعبئة عبر تطبيقات التواصل، خصوصاً عندما تواجهها مقاربة أمنية تقوم على الرصد المبكر والتدخل الميداني السريع.

التحدي مستمر رغم هدوء ليلة 15 غشت

ومع ذلك، فإن مرور هذه الليلة بسلام لا يعني أن الوضع أصبح نهائياً خارج دائرة المراقبة، في ظل استمرار ظاهرة الهجرة غير النظامية واستمرار تداول محتويات رقمية تدعو إلى التحرك نحو المناطق الحدودية.

ومن المرجح أن تظل الأجهزة الأمنية والعسكرية في حالة يقظة خلال الأيام المقبلة، خصوصاً أن تجربة ليلة 15 غشت أظهرت أن التعامل مع هذا النوع من التحديات يتطلب الجمع بين العمل الاستخباراتي والمراقبة التقنية والانتشار الميداني والتنسيق المؤسساتي.

وهكذا، تمكنت بني أنصار، ليلة السبت، من تجاوز موعد كان يُنظر إليه على أنه اختبار أمني حساس، دون تسجيل السيناريو الذي جرى التحذير منه، في نتيجة تعكس حجم التعبئة التي سبقت الموعد، وتؤكد أن المقاربة الاستباقية أصبحت عنصراً أساسياً في تدبير التحديات المرتبطة بالحدود والهجرة غير النظامية بالمنطقة.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى