
وثيقة سرية تكشف: خوان كارلوس اقترح التنازل عن مليلية للمغرب ومنح سبتة وضعاً دولياً خاصاً
ريف ديا – متابعة
كشف تقرير نشرته صحيفة “أوكي دياريو” الإسبانية أن الملك الإسباني الفخري خوان كارلوس الأول أبدى، عام 1979، خلال محادثة خاصة مع مسؤولين أميركيين، استعداده للنظر في إمكانية التنازل عن مدينة مليلية للمغرب خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، فيما اعتبر أن منح مدينة سبتة وضعا دوليا خاصا، شبيها بالوضع الذي كانت تتمتع به طنجة بين عامي 1923 و1956، قد يكون الحل الأنسب بالنسبة إليها.
وأضافت الصحيفة أن موقف العاهل الإسباني جاء بعد أربع سنوات فقط من تنظيم المسيرة الخضراء، وفي فترة كانت خلالها العلاقات الإسبانية المغربية تمر بمرحلة دقيقة، خصوصا في ظل تداعيات قضية الصحراء المغربية، ووجود قلق في مدريد من احتمال تصاعد الضغوط المغربية بشأن مدينتي سبتة ومليلية.
وحسب المصدر ذاته، تعود تفاصيل القضية إلى 30 أبريل 1979، عندما استقبل خوان كارلوس في قصر لا ثارثويلا السيناتور الأميركي إد موسكي، المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر، إلى جانب السفير الأميركي لدى مدريد تيرنس تودمان. واستغرقت المحادثة أكثر من ساعة ونصف، قبل أن يتم توثيق مضمونها في برقية دبلوماسية سرية أرسلتها السفارة الأميركية إلى وزارة الخارجية في واشنطن.
وأوضحت الصحيفة الإسبانية أن هذه البرقية ظلت سرية لسنوات، قبل أن ترفع عنها السرية سنة 2014، ما أتاح الاطلاع على مضمون المحادثة التي دارت بين الملك الإسباني والمسؤولين الأميركيين بشأن مستقبل مدينتي سبتة ومليلية والعلاقات مع المغرب.
ووفق البرقية التي استندت إليها الصحيفة، كان العاهل الإسباني يرى أن “مليلية قد تكون قابلة للتنازل عنها للمغرب خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا”، مبررا ذلك، وفق ما ورد في الوثيقة، بكون عدد الإسبان المقيمين فيها كان يناهز عشرة آلاف شخص فقط.
كما أقر خوان كارلوس، وفق الرواية نفسها، بأن المؤسسة العسكرية الإسبانية قد تعارض مثل هذا القرار، لكنه كان يعتقد أن رد فعل الجيش لن يستمر طويلا، وأنه سيكون قادرا على “السيطرة على الوضع” بعد تجاوز فترة التوتر الأولى.
أما مدينة سبتة، ومع وجود نحو 60 ألف إسباني بها آنذاك، فاعتبر خوان كارلوس أن التنازل المباشر عنها للمغرب سيكون أمرا مستحيلا، لذلك اقترح التفكير في منحها وضعا دوليا خاصا، على غرار الوضع الدولي الذي كانت تتمتع به طنجة بين عامي 1923 و1956.
ووفقا لما نشرته الصحيفة، ذهب العاهل الإسباني إلى أن نموذج طنجة ربما يمثل أفضل حل لسبتة، بحيث تتم إدارتها من خلال لجنة تضم عددا من الدول الأوروبية، من بينها إسبانيا.
وأكدت الصحيفة أن خوان كارلوس كان يخشى، بحسب مضمون البرقية، أن يؤدي غياب حل للقضية إلى تكرار سيناريو مشابه لـ”المسيرة الخضراء”، بما قد يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة على إسبانيا.
وتشير الوثيقة، بحسب المصدر ذاته، إلى أن البرقية السرية عُرضت مسبقا على السيناتور إد موسكي من أجل مراجعتها، ولم تُسجل بشأنها أي اعتراضات أو تصحيحات من جانبه. كما تحمل الوثيقة الإشارة الرسمية التي تؤكد رفع السرية عنها من قبل الحكومة الأميركية في 20 مارس 2014.
وشددت “أوكي دياريو” على أن ما صدر عن خوان كارلوس آنذاك لم يكن “مقترحا رسميا من الحكومة الإسبانية، ولا جزءا من مفاوضات رسمية مع المغرب”، بل كان عبارة عن ملاحظات وآراء أدلى بها العاهل الإسباني خلال محادثة خاصة مع مسؤولين أميركيين، في سياق سياسي شديد الحساسية أعقب المسيرة الخضراء سنة 1975، وفي ظل حرص إسبانيا على حسن إدارة علاقاتها مع الملك الراحل الحسن الثاني.
وبعد عقود من تلك المحادثة، عادت هذه التصريحات إلى الواجهة سنة 2017، عندما تناولتها وسائل الإعلام الإسبانية في سياق النقاش حول مستقبل سبتة ومليلية، إذ قللت حكومة ماريانو راخوي اليمينية من أهمية المواقف المنسوبة إلى الملك الفخري لإسبانيا.
ونقلت “أوكي دياريو” عن إينيغو مينديث دي فيغو، المتحدث باسم الحكومة الإسبانية آنذاك، قوله خلال مؤتمر صحفي عقب اجتماع مجلس الوزراء في ماي 2017، إن تلك الآراء تعود إلى “سنة 1979، أي إلى العصر الحجري القديم الأدنى”، في إشارة إلى قدمها وعدم ارتباطها بالموقف الرسمي للدولة الإسبانية في الوقت الراهن.
وتعيد هذه الوثائق، بحسب “أوكي دياريو”، فتح نافذة على مرحلة دقيقة من تاريخ العلاقات الإسبانية المغربية، عندما كانت مدريد تبحث عن توازن بين الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في شمال إفريقيا، وإدارة إرث المرحلة الاستعمارية، وتجنب الدخول في مواجهة جديدة مع المغرب بعد التطورات التي أعقبت المسيرة الخضراء.






