من «اسميرالدا» إلى سؤال التغيير: التوفيق فتحي يكتب عن أثر الرواية

ريف ديا

في هذا المقال التأملي، ينطلق الروائي التوفيق فتحي من سؤال طُرح عليه بمدينة الناظور خلال تقديم روايته «اسميرالدا»، ليفتح نقاشًا عميقًا حول وظيفة الأدب ودور الرواية في المجتمع. وبينما قد تبدو الكتابة عاجزة عن إحداث تغيير مباشر في الواقع، يدافع الكاتب عن قدرتها على تشكيل الوعي الإنساني وتوسيع آفاق التفكير، مؤكدًا أن تغيير الإنسان قد يكون الخطوة الأولى نحو تغيير العالم.

‏#سؤال_من_الناظور

خلال تقديم روايتي “اسميرالدا” في الناظور عقب محاضرة حول التنمية ودور الكتاب، سألتني إحدى الحاضرات سؤالًا ظلّ عالقًا في ذهني: هل يمكن للرواية أن تغيّر شيئًا؟

كان السؤال، في ظاهره، عن الأدب، لكنه في العمق كان سؤالًا عن وظيفة الكتابة نفسها: ما الذي تستطيع الكلمات أن تفعله في عالم تحكمه الأرقام والقوانين والاقتصاد وموازين القوة؟ ولماذا نصرّ أحيانًا على وضع الأدب في مرتبة أدنى من العلوم التي تبدو أكثر قدرة على إنتاج أثر مباشر وملموس؟

أجبت يومها بجملة قد تبدو قاسية، وربما متناقضة مع كل ما أقوله عن الكتابة: الكتابة، في حد ذاتها، لا تغيّر العالم.

لكنني أعتقد اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن هذه الجملة تحتاج إلى أن تُفهم في اتجاهها الصحيح.

فالكتابة لا تبني طريقًا، ولا تضع قانونًا، ولا تخفض نسبة البطالة، ولا ترفع الناتج الداخلي الخام. الرواية لا تغيّر ميزانية دولة، ولا تصدر حكمًا قضائيًا، ولا توقّع اتفاقية سياسية. وإذا كنا نبحث عن التغيير في صورته المباشرة، فإن الأدب يبدو بالفعل عاجزًا.

لكن الإنسان لا يتغير فقط بما يلمسه بيده. يتغير أيضًا بما يتخيله، وبما يراه، وبما يشعر به، وبالأسئلة التي تبدأ في داخله ولا يجد لها جوابًا سريعًا. وهنا تبدأ قوة الرواية. الرواية لا تغيّر العالم مباشرة؛ إنها تغيّر الإنسان الذي يرى العالم.
فالإنسان لا يعيش داخل الواقع وحده، وإنما يعيش أيضًا داخل الصورة التي كوّنها عن هذا الواقع. نحن لا نتعامل مع الآخرين كما هم فقط، بل كما نراهم. ولا نتعامل مع المجتمع كما هو، وإنما كما نفهمه ونفسره ونمنحه من معانٍ. ولذلك فإن تغيير نظرتنا إلى العالم قد يكون، في لحظة ما، بداية تغيير العالم نفسه.

الرواية تفعل شيئًا بالغ الخطورة والجمال في آن واحد: تجعلنا نعيش حياة ليست حياتنا.
تضعنا داخل رأس شخص آخر، داخل خوفه ورغباته وهزائمه وانتصاراته، وتجبرنا، ولو مؤقتًا، على أن ننظر إلى العالم بعينيه. وهنا تتصدع بعض الحدود التي نصنعها بين «نحن» و«هم». يصبح الآخر أقل تجريدًا، وأكثر إنسانية.

قد تقرأ رواية فتكتشف أنك كنت مخطئًا في حكمك على طبقة اجتماعية، أو امرأة، أو مهاجر، أو فقير، أو غريب أو حتى على مجتمع بأكمله. وقد تنتهي من رواية دون أن تتغير قناعاتك السياسية، لكنك تخرج منها وقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا. وهذا، في حد ذاته، شكل من أشكال التغيير.

الأدب لا يمنحك دائمًا الإجابات، أحيانًا تكون مهمته الأهم أن يفسد عليك سهولة الإجابة. وهنا تحديدًا تكمن علاقته بالسياسة.
فالسياسة لا تبدأ فقط من البرلمان والحكومة والانتخابات، وإنما تبدأ من الطريقة التي نرى بها الآخر، ومن قدرتنا على مساءلة ما يبدو لنا طبيعيًا، ومن استعدادنا للشك في الأفكار التي ورثناها باعتبارها حقائق نهائية.

الرواية الجيدة تفعل ذلك دون أن ترفع إصبعها في وجه القارئ. إنها لا تقول له: «كن ديمقراطيًا»، بل تجعله يشعر بمأساة غياب الديمقراطية. لا تقول له: «احترم الإنسان»، بل تضعه داخل هشاشة إنسان آخر. لا تقول له: «الفقر مشكلة»، بل تجعله يعيش يومًا واحدًا في حياة شخص لا يملك ما يكفيه من أجل الغد. ولهذا أظن أن من الخطأ قياس قيمة الأدب فقط بمقدار التغيير المباشر الذي أحدثه.

هناك كتب لم تغيّر قانونًا، لكنها غيّرت الخيال الأخلاقي للبشر.
رواية كوخ العم توم لهارييت بيتشر ستو (Uncle Tom’s Cabin -1852 ) لم تُلغِ العبودية، لكن أبراهام لنكولن نفسه ارتبط اسمه، في الرواية الشهيرة المتداولة، بتأثير الكتاب في النقاش حول العبودية. وسواء أخذنا هذه الحكاية التاريخية بحذر أو لا، فإن المؤكد أن الرواية أصبحت جزءًا من المعركة الثقافية والأخلاقية ضد نظام العبودية.
والأشياء تتداعى لتشينوا أتشيبي (Things Fall Apart – 1958) لم تكن قانونًا لتحرير أفريقيا من الاستعمار، لكنها قلبت صورة أفريقيا التي صنعتها سرديات استعمارية طويلة، ومنحت القارئ الأفريقي والعالمي فرصة للنظر إلى الاستعمار من الجهة الأخرى.

و1984 لجورج أورويل لم تسقط نظامًا شموليًا، لكنها جعلت كلمات مثل «الأخ الأكبر» و«الحقيقة الرسمية» و«مراقبة الإنسان» جزءًا من قاموسنا السياسي، وأعطتنا لغة نفكر بها في السلطة عندما تتجاوز حدودها.

وهنا ربما تكمن إحدى أعظم قوى الأدب: أن يمنحنا الكلمات التي لم نكن نملكها لوصف ما يحدث لنا. فالشيء الذي لا نستطيع تسميته يصعب علينا مقاومته.

وقد يكون هذا أحد أهم الأدوار السياسية للرواية: أن توسع قاموس الإنسان، وأن تجعل ما كان يبدو عاديًا قابلًا للسؤال، وما كان يبدو قدرًا قابلًا للنقاش.

لكن الرواية لا تؤدي هذا الدور فقط من خلال أفكارها. إنها تفعل ذلك أيضًا من خلال الجمال. وهنا أصل إلى الحاسة الثانية التي أعتقد أنها ضرورية لأي تغيير حقيقي: الحس الذوقي.

نحن نميل إلى التفكير في الحس النقدي باعتباره أداة للتغيير، وهذا صحيح. لكنني أعتقد أن الحس الجمالي لا يقل أهمية عنه.
الإنسان الذي يفقد قدرته على تذوق الجمال قد يصبح أكثر قابلية للتعايش مع القبح، ليس فقط القبح البصري، وإنما القبح الأخلاقي والسياسي والإنساني أيضًا.

الرواية تدربنا على الانتباه: إلى التفاصيل، إلى اللغة، إلى الصمت، إلى التناقض، إلى هشاشة الإنسان. ومن يتعلم أن ينتبه إلى التفاصيل في الأدب قد يتعلم، في الحياة، ألا يمر بسهولة أمام الألم.

لذلك أرى أن الرواية تعمل في مستويين متداخلين: تغذي الحس النقدي، وتطعم الحس الجمالي. والاثنان ضروريان.
الحس النقدي يمنع الإنسان من قبول العالم كما هو. والحس الجمالي يمنعه من قبول القبح باعتباره قدرًا.

بين الاثنين يمكن أن تولد الرغبة في التغيير. لذلك ربما لا ينبغي أن نسأل: «ماذا غيّرت الرواية؟» بالمعنى الضيق للسؤال. ربما علينا أن نسأل: «أي إنسان تصنعه الرواية؟»

الكتابة تغيّر الإنسان، والإنسان هو المادة الأولى التي يُبنى منها العالم.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى