
صورة واحدة أربكت حسابات الناظور.. أبرشان والرحموني من خصوم الأمس إلى رفاق الطريق
ريف ديا – الناظور
لم تكن الصورة التي التقطها المصور الصحفي محمد العبوسي مجرد لقطة عابرة من مشهد سياسي محلي، بل بدت وكأنها سبقت النقاش السياسي الذي سرعان ما انفجر حولها. صورة ظهر فيها النائب البرلماني محمد أبرشان إلى جانب رئيس المجلس الإقليمي للناظور سعيد الرحموني وهما على متن السيارة نفسها، قبل أن تنتشر على نطاق واسع، وتتحول إلى حديث الشارع السياسي، لما حملته من دلالات ورمزية في ظرفية انتخابية دقيقة.
الصورة، في حد ذاتها، لم تكن بحاجة إلى تعليق طويل. فالرجلان اللذان ظل اسماهما لسنوات مرتبطين بصراع وتنافس انتخابي وسياسي، ظهرا هذه المرة في مشهد مشترك، وبطريقة بدت للكثيرين غير مألوفة مقارنة بما كان سائداً خلال السنوات الماضية. ولهذا قرأها متابعون باعتبارها أكثر من مجرد لحظة عفوية، وربطوها بإمكانية وجود ترتيبات سياسية وانتخابية جديدة بدأت تتشكل بعيداً عن الأضواء.
ولعل اللافت أن هذه الصورة جاءت في وقت كانت فيه الساحة السياسية بإقليم الناظور تعيش على إيقاع الاستعدادات للانتخابات التشريعية المقبلة، وهي مرحلة عادة ما تعرف إعادة ترتيب الأوراق، وإعادة حساب موازين القوى، وظهور تحالفات جديدة تتجاوز في كثير من الأحيان الاصطفافات التي كانت قائمة خلال الاستحقاقات السابقة.
ففي الذاكرة الانتخابية المحلية، ظل محمد أبرشان وسعيد الرحموني في موقعين متقابلين، وكانت المنافسة بينهما واحدة من أبرز ملامح المشهد السياسي بالإقليم. بل إن أبرشان كان في إحدى المحطات الانتخابية قد دعم سليمان أزواغ، الذي كان آنذاك من أبرز الخصوم السياسيين للرحموني، وهو ما جعل صورة الرجلين معاً اليوم تكتسي حمولة سياسية أكبر.
غير أن السياسة لا تعرف دائماً خصومات دائمة أو تحالفات ثابتة. ومع اقتراب الاستحقاقات، تتغير الاصطفافات وفق حسابات المصالح وموازين القوى، وقد تتحول الخصومة إلى تفاهم، والتنافس إلى تنسيق، عندما تلتقي الأهداف الانتخابية وتتقاطع الحسابات السياسية.
وفي قلب هذا التقارب يبرز اسم سناء الرحموني، ابنة سعيد الرحموني، والتي يرتبط اسمها بالترشح على رأس اللائحة الجهوية النسوية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بجهة الشرق. وهو ترشيح يمنح التقارب بين الرجلين بعداً انتخابياً إضافياً، خصوصاً إذا ما تحول الدعم السياسي إلى تعبئة ميدانية وأصوات انتخابية.
وفي المقابل، يبدو أن محمد أبرشان يراهن على توسيع دائرة حضوره الانتخابي والاستفادة من شبكات وحلفاء سعيد الرحموني في عدد من المناطق، ولا سيما أركمان وإحدادن وسلوان، وهي جماعات يمكن أن تشكل جزءاً مهماً من المعادلة الانتخابية المقبلة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو مدى قدرة التحالفات التي تصنعها القيادات السياسية على الانتقال فعلياً إلى القواعد الانتخابية. فالتجربة تؤكد أن الاتفاق بين السياسيين لا يعني بالضرورة انتقال الأصوات بشكل آلي، إذ تظل الاعتبارات المحلية والعائلية والمجالية وشبكات النفوذ والحضور الميداني عوامل مؤثرة في سلوك الناخبين.
ومن هذه الزاوية، فإن التقارب بين أبرشان والرحموني، إذا تحول إلى تحالف فعلي، يمكن أن يغير شيئاً من معادلات المنافسة داخل الإقليم، خصوصاً إذا تمكن الطرفان من تنسيق الجهود وتوجيه جزء من قواعدهما الانتخابية في اتجاه واحد.
لكن الأهم أن الصورة التي التقطها محمد العبوسي فتحت باباً واسعاً للتأويل السياسي. فالمصور الصحفي، وهو يوثق لحظة ظهر فيها الرجلان في السيارة نفسها، ربما لم يكن يتوقع أن تتحول تلك اللقطة إلى مادة للنقاش السياسي، وأن يتساءل المتابعون بعدها عن طبيعة العلاقة الجديدة بين شخصيتين ظلتا لسنوات في خانة الخصومة والتنافس.
لقد قرأ الشارع الصورة بطريقته، وبدأت الأسئلة تنتشر: هل نحن أمام لقاء عابر؟ أم أمام بداية تنسيق انتخابي؟ وهل ما ظهر في الصورة يعكس تفاهمات أوسع تجري بعيداً عن الأضواء؟
هذه الأسئلة تزداد أهمية مع تداول معطيات سياسية تتحدث عن دعم ترشيح سناء الرحموني على رأس اللائحة الجهوية النسوية للاتحاد الاشتراكي، مقابل إمكانية استفادة أبرشان من دعم حلفاء الرحموني في عدد من المناطق الانتخابية.
وفي حال نجحت هذه التفاهمات في ترجمة نفسها على أرض الواقع، فقد نكون أمام إعادة تشكيل جزئي للخريطة الانتخابية بإقليم الناظور، وربما أمام بداية اصطفافات جديدة ستدفع باقي الفاعلين السياسيين إلى إعادة حساباتهم والبحث عن تحالفات مقابلة.
كما أن الأبعاد المحتملة لهذا التقارب قد لا تتوقف عند الانتخابات التشريعية المقبلة. فهناك من يرى أن ما يجري قد يكون مقدمة لتفاهم سياسي أوسع، وربما لإعادة تموقع مستقبلي لبعض الأطراف، خصوصاً إذا ما تطورت العلاقة بين سعيد الرحموني والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
غير أن كل هذه السيناريوهات تبقى رهينة بما ستكشف عنه الأيام المقبلة، وبما ستفرزه صناديق الاقتراع. فالتحالفات السياسية يمكن أن تعلن نفسها في الكواليس، لكن قوتها الحقيقية لا تظهر إلا عندما تتحول إلى تعبئة انتخابية فعلية.
وفي انتظار ذلك، ستظل صورة محمد أبرشان وسعيد الرحموني وهما على متن السيارة نفسها واحدة من أكثر الصور إثارة للنقاش في المشهد السياسي المحلي خلال هذه المرحلة. صورة اختصرت، في لحظة واحدة، تحولات سنوات من الخصومة والتنافس، وطرحت سؤالاً سياسياً كبيراً على الساحة الناظورية: هل انتقل الرجلان فعلاً من معسكر الخصومة إلى مربع التحالف، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تقاطعاً انتخابياً فرضته الظرفية؟
في السياسة، لا توجد دائماً صداقات دائمة ولا خصومات أبدية، وما كان يبدو مستحيلاً بالأمس قد يصبح ممكناً اليوم عندما تتغير موازين القوى. أما الحكم النهائي، فلن يكون للصورة ولا للتكهنات، وإنما لصناديق الاقتراع التي ستكشف ما إذا كان هذا التقارب قد نجح فعلاً في تحويل تفاهمات السياسيين إلى أصوات انتخابية، وما إذا كانت صورة واحدة قد سبقت بالفعل ولادة خريطة سياسية جديدة بالناظور.






