بعد جدل الفايد.. «أمية الرسول» تعود إلى الواجهة من بوابة خطبة الجمعة

ريف ديا – يوسف الريفي

في سياق نقاش أثارته خلال الأيام الماضية تدوينة للدكتور محمد الفايد حول مفهوم أمية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وما أعقبها من ردود فعل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تعود قضية العلم والتعليم وأمية النبي إلى واجهة النقاش الديني بالمغرب، بالتزامن مع مضامين خطبة الجمعة الموحدة المرتقبة.

وإذا كان الجدل الرقمي قد انطلق من قراءة أثارت انتقادات واسعة لعبارة «أمية الرسول»، فإن الخطبة الموحدة اختارت مقاربة مختلفة، تستند إلى القرآن الكريم والسيرة النبوية، وتبرز أن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالأمي لا يتعارض مع مكانته العلمية والرسالية، بل يقترن في التصور الإسلامي بتكريم إلهي وتعليم رباني.

وتستحضر الخطبة آيات قرآنية تؤكد فضل العلم، من بينها قوله تعالى: «وعلّمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما»، وقوله سبحانه: «وقل رب زدني علما»، لتؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم، رغم كونه أميا بالمعنى الوارد في النصوص الشرعية، تلقى من الله تعالى من العلم والحكمة ما أهله لحمل الرسالة وتعليم الناس.

من «الأمية» إلى صناعة أمة متعلمة
وتبرز الخطبة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد ناقل للمعرفة، بل كان مربيا ومعلما بالقول والفعل والسلوك، استطاع خلال ثلاثة وعشرين عاما أن يحدث تحولا عميقا في حياة أمة بأكملها، على مستوى العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات.

وتقدم الخطبة التعليم النبوي باعتباره عملية متكاملة لا تنحصر في الكتاب أو القسم أو الوسائل التقليدية، وإنما تمتد إلى القدوة، والكلمة الطيبة، والتشجيع، والتصحيح، والممارسة والمعاملة، وفي مختلف ظروف الحياة اليومية.

وبذلك، فإن الرسالة التي تحملها الخطبة تتجاوز الجدل حول القراءة والكتابة، لتضع مفهوم العلم في إطاره الأوسع: علم نافع، وتربية، وأخلاق، ومسؤولية في نقل المعرفة إلى الآخرين.

تدوينة الفايد.. جدل لم ينته عند حدود مواقع التواصل
وتأتي هذه المضامين في ظل الجدل الذي أعادته تدوينة محمد الفايد إلى الواجهة، بعدما طرح تساؤلات بصيغة أثارت انتقادات واسعة بشأن أمية الرسول صلى الله عليه وسلم، قبل أن يوضح لاحقا أنه لم يقصد وصف النبي بالجهل، وأن عبارته فهمت على غير المقصود.

غير أن التوضيح لم يضع حدا للنقاش، إذ اتسعت دائرة التفاعل، ودخل علماء ومتابعون على الخط، كان من بينهم الشيخ الموريتاني محمد الحسن ولد الددو، الذي وجه انتقادات شديدة اللهجة إلى ما اعتبره إساءة إلى الثوابت الدينية، وطالب بإحالة القضية إلى الجهات المختصة.

وفي المقابل، تمسك الفايد بتفسيره لعبارته، مؤكدا أنه لم يقل إن الرسول صلى الله عليه وسلم جاهل، وأن حديثه جاء في سياق افتراضي، وهو ما أبقى الجدل مفتوحا بين مؤيد لقراءته ورافض لطريقة طرحه.

خطبة الجمعة.. رسالة تتجاوز الجدل
وبعيدا عن مسألة ما إذا كانت مضامين الخطبة قد جاءت في سياق الرد على الجدل الأخير أو لا، فإن توقيت طرحها يعيد إلى الواجهة سؤالا أوسع: كيف ينبغي أن نتحدث عن العلم والدين والرسول صلى الله عليه وسلم في زمن أصبحت فيه العبارات المنشورة على مواقع التواصل قادرة على إشعال نقاش واسع خلال ساعات؟

فالخطبة لا تقف عند حدود الدفاع عن مفهوم أمية النبي، وإنما توجه رسالة عامة إلى الآباء والمعلمين والأساتذة وكل من يساهم في نشر المعرفة، داعية إلى استحضار المسؤولية في ما نعلّم وننشر ونكتب ونقول.

وهو ما يجعل القضية، في نهاية المطاف، أكبر من سجال شخصي أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي؛ إنها نقاش حول حدود المسؤولية عندما يتعلق الأمر بالدين، وكيفية طرح الأسئلة الفكرية والعلمية، وضرورة التفريق بين البحث والنقاش من جهة، والصياغة التي قد تفهم على أنها إساءة أو تشكيك من جهة أخرى.

وبينما يستمر الجدل في الفضاء الرقمي، تأتي خطبة الجمعة برسالة واضحة: العلم في التصور الإسلامي لا يقاس فقط بالقراءة والكتابة، وإنما بما يصنعه من معرفة وهداية وأخلاق ونفع للناس.

ويبقى السؤال مفتوحا: هل ستضع مضامين خطبة الجمعة حدا للجدل حول «أمية الرسول» أم أنها ستفتح نقاشا أعمق حول علاقة العلم بالدين، وحدود التعبير في القضايا الدينية الحساسة؟

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى