هل يجمع الأمازيغ والباسك أصلاً قديماً؟ دراسة جينية إسبانية تعود إلى الواجهة

دراسة جينية عرضتها صحيفة «إل باييس» الإسبانية قبل أكثر من 30 عاماً تحدثت عن تقارب لافت بين الباسك وسكان شمال إفريقيا، وربطت النتائج ببعض أوجه التشابه اللغوي والثقافي

ريف ديا : وكالات

في وقت تتجدد فيه الأسئلة حول أصول شعوب البحر الأبيض المتوسط وصلاتها القديمة، يعود إلى الواجهة تقرير علمي نشرته صحيفة «إل باييس» الإسبانية (EL PAÍS) في 24 نوفمبر 1995، تناول نتائج دراسة جينية أثارت اهتماماً آنذاك، بعدما تحدث الباحثون عن تقارب وراثي لافت بين سكان إقليم الباسك وسكان شمال إفريقيا، وخاصة الأمازيغ.

التقرير، الذي حمل عنواناً مثيراً: «دراسة جينية تكتشف أن الباسك والبربر لهم أصل مماثل»، استند إلى أبحاث قادها عالم الوراثة الإسباني أنطونيو أرنايز، أستاذ في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، واعتمدت على مقارنة جينات HLA لدى مجموعات سكانية من الباسك وإسبانيا والجزائر.

الباسك والأمازيغ.. تقارب وراثي عبر ضفتي المتوسط

بحسب التقرير، تمت مقارنة عينات من سكان منطقة سان سيباستيان ذوي أصول باسكية، مع مجموعات من مدريد والامازيغ. وأظهرت النتائج، وفق ما نقلته «إل باييس»، أن الامازيغ كانوا قريبين وراثياً من الإسبان عموماً، ومن الباسك بشكل خاص، إلى جانب تقاربهم مع سكان سردينيا.

والأكثر إثارة أن الباحثين ربطوا هذا التقارب بإرث وراثي قديم يعود إلى سكان شمال إفريقيا، قبل التحولات السكانية الكبرى التي عرفتها المنطقة.

هل عبر أسلاف الأمازيغ مضيق جبل طارق؟

طرحت الدراسة سؤالاً تاريخياً مهماً: كيف انتقلت هذه العناصر الوراثية بين شمال إفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية؟

ووضع الباحثون احتمالين رئيسيين: إما أن مجموعات من سكان شبه الجزيرة الإيبيرية عبرت قديماً نحو شمال إفريقيا، أو أن سكاناً من شمال إفريقيا عبروا مضيق جبل طارق باتجاه إيبيريا.

ورجّح الباحثون آنذاك الاحتمال الثاني، وربطوه بالتغيرات المناخية والتحولات التي أدت إلى تشكل الصحراء الكبرى.

وهنا تبرز أهمية الموقع الجغرافي لشمال المغرب والأندلس؛ فمضيق جبل طارق لا يفصل سوى مسافة قصيرة بين القارتين، وقد يكون شكّل عبر عصور ما قبل التاريخ جسراً للحركة البشرية أكثر منه حاجزاً.

تشابه جيني.. ولغوي أيضاً؟

المثير أن التقرير لم يتوقف عند الجينات، بل أشار إلى أن بعض علماء اللغة سبق أن تحدثوا عن أوجه تشابه بين اللغة الباسكية واللغات الأمازيغية.

لكن وجود تشابه لغوي لا يعني بالضرورة أن اللغتين تنحدران من لغة واحدة، كما أن الجينات وحدها لا تكفي لإثبات أصل مشترك لشعبين. ومع ذلك، فإن اجتماع هذه الملاحظات جعل الموضوع مثيراً للاهتمام بالنسبة للباحثين.

هل يتجاوز التشابه الجينات واللغة؟

هناك أيضاً ملاحظة ثقافية وسلوكية يطرحها البعض عند مقارنة الأمازيغ والباسك، وإن كانت ملاحظة انطباعية وليست دليلاً علمياً.

فكلا المجتمعين ارتبط تاريخياً بالتمسك بالهوية المحلية، والاعتزاز بالأصل، والحفاظ على اللغة والثقافة، وروح الاستقلالية والتشبث بالموقف. وحتى صفات مثل الإصرار والعناد وقوة الشخصية وعدم التنازل بسهولة كثيراً ما تُستحضر في الصورة الشعبية عن الأمازيغ والباسك.

هل تعكس هذه التشابهات شيئاً مشتركاً، أم أنها مجرد نتيجة لظروف تاريخية واجتماعية متشابهة؟

من المهم التأكيد أن السلوك والثقافة لا يمكن استخدامهما لإثبات قرابة جينية، لكن وجود هذه الملاحظات إلى جانب التقارب الجيني واللغوي يضيف بعداً آخر إلى النقاش.

دراسة تعود إلى أكثر من ثلاثة عقود

من الضروري وضع الدراسة في سياقها التاريخي. فالنتائج تعود إلى عام 1995، أي إلى مرحلة كانت فيها دراسة التنوع الجيني مختلفة كثيراً عن الدراسات الجينومية الحديثة.

لذلك لا يمكن اعتبارها الكلمة الأخيرة حول أصل الباسك أو الأمازيغ، وإنما هي جزء من تاريخ الأبحاث التي حاولت فهم العلاقات السكانية القديمة بين أوروبا وشمال إفريقيا.

وقد عُرضت نتائج هذه الأبحاث خلال مؤتمر حول الجينوم البشري الأوروبي في برشلونة في نوفمبر 1995، بينما أشارت «إل باييس» أيضاً إلى دراسات أخرى تناولت كروموسوم Y لدى الباسك والسردينيين وعينات من الجزائريين.

المتوسط.. أكثر من مجرد بحر

ربما تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تعيد طرح فكرة أساسية: البحر الأبيض المتوسط لم يكن دائماً فاصلاً بين الشعوب، بل كان في كثير من مراحل التاريخ فضاءً للحركة والهجرة والتبادل والتداخل البشري.

ومن شمال إفريقيا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، ومن الأمازيغ إلى الباسك، تبدو قصة الإنسان أكثر تعقيداً من الحدود السياسية الحديثة.

فقد تكون شعوب تبدو متباعدة اليوم قد التقت في نقاط بعيدة جداً من التاريخ، قبل آلاف السنين من ظهور الدول والحدود والهويات السياسية بصورتها الحالية.

بين العلم والأسئلة المفتوحة

لا تعني هذه الدراسة أن الأمازيغ والباسك شعب واحد، ولا أن التقارب الجيني أو اللغوي وحده يستطيع تحديد أصل شعب بأكمله. فعلم الوراثة السكانية تطور بشكل هائل منذ تسعينيات القرن الماضي، كما أن الهجرات والاختلاط السكاني والتغيرات الثقافية تجعل تاريخ الشعوب أكثر تعقيداً.

لكن السؤال الذي طرحته الدراسة قبل أكثر من ثلاثة عقود لا يزال مثيراً:

ماذا لو كانت بعض الروابط بين ضفتي المتوسط أقدم بكثير مما تخبرنا به كتب التاريخ؟

وربما لهذا السبب يستحق تقرير «إل باييس» الإسبانية المنشور في 24 نوفمبر 1995 أن يُقرأ من جديد، ليس باعتباره حكماً نهائياً، وإنما باعتباره وثيقة تفتح باباً على واحدة من أكثر القضايا إثارة في تاريخ غرب المتوسط: العلاقات القديمة بين سكان شمال إفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية، وما إذا كان الأمازيغ والباسك قد تقاطع تاريخهم في زمن سحيق لم يترك لنا إلا آثاراً متناثرة في الجينات واللغة والثقافة.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى