بطل السلم والحرب.. محمد عبد الكريم الخطابي (شهادة جندي سويسري)

هذا جزء من مقالة نشرها الكاتب: محمد رشيد رضا، رحمه الله، رئيس تحرير مجلة المنار المصرية، التي إنطلقت سنة 1898 للميلاد ، وهدفت لنشر الوعي الثقافي بين المسلمين، وقام رئيسها بمجهود كبير لبيان أن الإسلام لا يتعارض مع العقل والعلم والمشتركات الإنسانية.
قد يؤخذ على هذه المجلة نزعتها القومية العربية، التي كانت في أوجها في تلكم الحقبة، ضد الإمبراطورية العثمانية، لكنها تظل كاسمها مناراً أضاء العالم الإسلامي طيلة عقود، ويظل موقف المجلة، شاهداً، على حقبة عصيبة من تاريخ المسلمين عموماً، وتاريخ المغرب بالخصوص، إذ واكبت التحولات التاريخية ببلادنا، منذ عهد الحماية، وإنتصارات حركات المقاومة بشمال أفريقيا، خاصة، حركة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي، ويظهر جلياً إعجاب رئيسها رشيد رضا، رحمه الله، بالأمير الخطابي ، ملقباً إياه في كثير من أعداد المجلة، ببطل العرب والإسلام العظيم، وإن تغيّر موقفه منه بعد إستسلامه .
يقول رشيد رضا، بعد أن عد سلسلة هزائم لإسبانيا بالريف :
…هذه حالة إسبانية اليوم، وهذا هو الفري الذي فراه محمد بن عبد الكريم عوْدًا على بَدْءٍ، فأثبت أنه بطلها اليوم، كما كان بطلها بالأمس، وسنرى أنه بطل السلم، كما هو بطل الحرب، وأنه أصدر أوامر بالاتفاق مع أعضاء الحكومة الريفية التي هو رأسها، بإنزال أشد العقاب إلى حد القتل، بمن يعتدي على إسبانيولي، أو أي أوروبي، أو يخالف القوانين الحربية المرعية بين الدول المُتمَدينَة. وقد نشر رجل سويسري، من زوريخ، منذ أيام، رسالة تناقلتها كثير جرائد سويسرة، كنا نود تعريبها، ونشرها، كلها، نقلاً عن جريدة (فوي دافي) الصادرة بلوزان، لكن طولها حال دون تعريبها، برمتها، ومآلها:
أن بعض الشبان من سويسرا، قصدوا إسبانية للعمل، وبينما هم يعملون ببرشلونة، إذ أخذتهم حكومة إسبانية إلى الريف، بحجة أنها تريد أن تستخدمهم في النقليات.
وأن هنا عملاً بأجرة، وهناك عملاً بأجرة فذهبوا مسيرين غير مخيرين، ولما صاروا إلى “مليلا” نظموهم في التابور وأرسلوهم إلى ميدان الحرب؛ خلافًا لما كانوا وعدوهم به، ولما كانوا من رعية سويسرة لا شأن لهم في حرب واقعة مع إسبانية فر منهم بضعة نفر فأدركهم الإسبانيول، وحاكموهم محاكمة البلط (الفارين من العسكر) وحكموا عليهم بالقتل، ونفذ فيهم الحكم رميًا بالرصاص، مع أنهم لم يكونوا متطوعين في جند إسبانية وإنما سيقوا إلى الحرب جبرًا، وقهرًا، بعد أن خدعوا بقول الحكومة الإسبانية لهم أنهم يكونون في “مليلا” عَمَلَةً كما كانوا في برشلونة. قال هذا الرجل السويسري الزوريخي:
فالتزمنا أن نشهد وقائع من أشد وأهول ما يتصور العقل، كانت غالبًا خسائر الإسبانيول فيها أفدح من خسائر المغاربة، وذكر واقعة قال: إن الإسبانيول خسروا فيها وحدها أربعة آلاف مقاتل. وهو يحزر مجموع خسائر الإسبانيول بستين ألف مقاتل.
ثم قال: إننا مللنا القتال، ونحن لا ناقة لنا في الأمر ولا جمل، ففررنا إلى جهة العرب، فأخذونا إلى عبد الكريم، فأمر بانتظامنا في الجيش، فبعد أن كنا نقاتل في صف الإسبانيول صرنا نقاتل الإسبانيول، وكنا في كلا الحالين مكرهين لا أبطالاً، فبعد أن شهدنا عدة وقائع لاحت لنا فرصة للفرار ففررنا أملاً بالوصول إلى ساحل البحر، ومنه نجد فُلْكًا يأخذنا إلى أوروبا، فكانت وقعتنا بالقرب من “قرية عربية” فقبضوا علينا، وساقونا إلى الأمير عبد الكريم، فأيقنا في أنفسنا بالهلكة، وقلنا: يصيبنا هنا ما أصاب رفاقنا عند الإسبانيول، فلما وصلنا إلى الأمير، كان منه أن قال لنا: نعم، يحق لكم أن تفروا؛ لأنه طال عليكم الغياب عن أوطانكم، ولكن أخطأتم بأنكم لم تخبرونا بعزيمتكم، حتى نؤدي إليكم نفقة الطريق، ثم نقد لنا مبلغًا يكفي نفقتنا وأرسلنا إلى جهة ركبنا منها البحر، إلخ.
ويذكر هذا السويسري بعد ذلك الفرق بين الإسبانيول والمغاربة مما هو ظاهر للعيان من سياق هذه القصة.







