الحب في حياة الأطفال (الجزء الأول)

كتب: ذ. عبد الصمد الخزروني

الكثير من الخبراء التربويين في كل عصر ومصر دائما يؤكدون على ضرورة منح الأطفال ما يستحقون من الحب والحنان، لأن حرمانهم منهما سيجعل نموهم ناقصا إلى درجة الإعاقة، حتى وإن لم تظهر على المستوى الجسدي فإنها ستظهر على مستوى النفسي والعقلي. هذا جميل جدا أن يحظوا بالحب من قبل غيرهم وخاصة من والديهم، لكن منعهم أو لنقل عدم مساعدتهم على إدراك معنى الحب من جانبهم، ما ذا يحبون؟ وكيف يحبون؟ حرمان أيضا، لذا يجب أن يتمتع الأطفال كغيرهم بالحب للآخر في الاتجاه الصحيح الذي يناسبهم.

* تعليم الحبّ *

في مجتمعاتنا يشكل الحب عند أطفالنا هاجسا مخيفا، لا يمكن أن تنطق به ألسنتهم، لأنهم ما يرونه في وسائل الإعلام من أفلام ومسلسلات طبع في أذهانهم نوعا واحدا من الحب، هو الذي يتم بين الرجل والمرأة. هذه جريمة كبيرة للإعلام في حق أبنائنا، نضيف إليها جريمة أخرى من جهتنا حين لا نوجههم إلى أن هناك أنواعا أخرى من الحب وهي مهمة، وأن عدم الحب بالمرّة يعني الكراهية، وإذا كانت الكراهية يعني الصراع والخصام، وهذا ما لا ينبغي أن يتربى عليه الأطفال بل نعلمهم كيف يحاربونه.

أنواع أخرى من الحب مهمة هي من صميم إيماننا بالله، بل هي من أصوله، وعلى رأسها حب الله ورسوله، وحب الوالدين، وحب الإخوة والأخوات لبعضهم البعض، ثم حب الخير للناس، وحب الطبيعة في مناظرها، وحب الأخلاق بالاتصاف بها، وحب الصلاة بالحفاظ عليها، وحب الاجتهاد لتحصيل العلم. جاء في الحديث النبوي الشريف:” أدبوا أبناءكم على ثلاث خصال، حب نبيكم وآل بيته وتلاوة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، مع أنبيائه وأصفيائه” . أدبوا يعني أن الحب تعليم وليس مجرد وصية وتوجيه فقط.

عندما يولد الأطفال في حضن والديهم، ويفتحون أعينهم فلا يرون أمامهم وبجانبهم إلا والديهم، يجعلهم يحسون بعاطفة قلبية خاصة تجاههم، بينما لا يتمتع الآخرون من حبهم إلا بمقدار ما يتقربون به إليهم من أشياء يهدونها لهم. هنا وفي هذه المرحلة ينبغي للآباء والأمهات أن يتدخلوا بتوجيهاتهم حتى يربطوهم بالآخرين ويؤكدون لهم أن من غير والديهم يوجد من يستحق حبهم كذلك من زملاء الدراسة، وأصدقاء الحي، وكل مسلم تربطنا به العقيدة على وجه الأرض في أي زمان ومكان.

* حبّ من سجن *

إذا كان حب الأطفال لوالديهم باعتبارهم أفضل ما في الدنيا لا ينبغي أن يكون عائقا لحب الآخرين وحب الخير لهم، فكذلك حب الوالدين لأطفالهم لا ينبغي أن يكون عائقا لمعانقة آفاقهم المستقبلية وتحقيق طموحاتهم في الحياة بإظهار ذكائهم وقدراتهم ومهاراتهم، فإن هذا الحب الناتج عن الخوف من الفشل أو الخسارة أو التعرض لسوء أوأذى بمثابة سجن قضبانه من أذرع محبوبين . كتب سارتر يقول:” ليس هناك أحسن من إنجاب أطفال، ولكن أن نستحوذ عليهم فذلك ظلم كبير”. ومن مبررات هذا السجن: لا تفعل أنت ما زلت صغيرا، لا تذهب أنت لا تستطيع، اختر لك الأسهل، ليس لدينا الدعم الكافي، هناك إذا قاموس من كلمات الإحباط. فمن باب التربية والتعليم أن يعلم الآباء والأمهات لأطفالهم مواقف التحدي، حتى يرتقوا بتفكيرهم من الأسهل إلى السهل، ومن السهل إلى الصعب، ومن الصعب إلى الأصعب، بهذه المواقف تتقوى شخصياتهم وتتطور.

من الأخطاء الكبيرة التي نقع فيها في بعض الأحيان أن نحاول صياغة شخصيات أطفالنا نسخة طبق الأصل لشخصياتنا، فيكون الولد نسخة لأبيه، والبنت نسخة لأمها. مع أن الموقف الصحيح هو أن نترك لهم الحرية الكاملة في اختيار شخصياتهم التي تناسبهم وتناسب ميولاتهم. ومن الأخطاء كذلك أن نتضايق من حبهم الكبير للعب وحبهم اكتشاف الأمور من حولهم. ولا نعلم أن عالم الأطفال الحقيقي بالنسبة إليهم هو اللعب والمرح، وزمانهم اكتشاف الأشياء من حولهم ، والسعي إلى إثبات وجودهم ولفت أنظار الناس إليهم أنهم موجودون. لذلك لا يجب أن نتضايق من كثرة حبهم للعب، ولا كثرة حبهم لاكتشاف بعض الأمور بالبحث والأسئلة. بل يجب أن نمنحهم الوقت الكامل للعب حتى يشبعوا رغبتهم، ومن الجميل أن ننظم لهم هذه الأوقات، ومن الجميل جدا أن نشاركهم فيها في بعض الأحيان، وكما نمنح لهم الوقت للعب نمنح لهم الفرصة لمساعدتهم في بحثهم، والإجابة عن أسئلتهم بالحوار والحكمة، فإن أي قمع أو تجاهل في هذا المجال وفي هذه المرحلة من الطفولة بدعوى الممنوعات يفسد على الطفل نسبة كبيرة من الذكاء والفطنة.

* الحبّ رحمة *

إن كان الله تعالى كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء، ورحمته سبقت غضبه، ورحمان رحيم، وبعث رسله رحمة للعالمين، وأنزل كتُبه رحمة وشفاء للمؤمنين، ويحب من عباده الرحماء، فإنما لنتصف بهذه الصفة الجمالية ونتخلق بها. وأولى الناس برحمتنا الوالدين والأهل والأولاد. ففي حق الوالدين قال سبحانه:[ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا](:)، وفي حق الأهل والأزواج قال سبحانه:[ وعاشروهن بالمعروف](:)، وقال صلى الله عليه وسلم عند الوفاة:” استوصوا بالنساء خيرا”، وفي حق الأولاد الصغار قال محمد صلى الله عليه وسلم:” ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا”. وفي حق جميع الخلق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.

على ضوء هذا نجد مما يبعث الأطفال على السعادة والإحساس بالحنان من قبل والديهم أن يحظوا بتقبيل على خدودهم وجباههم عند ذهابهم إلى النوم أو استيقاظهم منه، وعند ذهابهم إلى المدرسة أو عودتهم منها، فقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عندما يرى ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها يقف لها ويقبلها بين عينيها. وأثناء هذا الاهتمام وبعده الدعاء لهم بالصلاح والنجاح والفلاح في كل أمورهم. وهذا ينافي التقليل من قيمة الأطفال والتنقيص من كرامتهم بالشتم والتوبيخ المبالغ لمجرد أخطاء قد يرتكب منها الآباء والأمهات ما لا يُحصى عدّا ولا يوزن ثقلا، ولا يقاس طولا.

انفرد أيها الأب في كل مرّة بأحد أولادك إما جلوسا وإما تجوُّلا وتحدث معه بلطف حول أموره الشخصية من دون حرج، فإن هذا الموقف سيقوي ثقته بك أكثر. قل لولدك ماذا تحب في هذه الحياة، ماذا تتمنى أن تكون، وبناء على ميولاته ساعده ووجهه ليتمكن من تحقيق ما يحب ويتمنى.

يتبع…

المصدر: كتاب تحت الطبع: “سرّ الحب في حياة الإنسان” للأستاذ عبد الصمد الخزروني

تعليق واحد

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى