عبد الله أجعون يكتب :في الذكرى المئوية لأدهار أوبران المعركة التي وحدت المقاومة الريفية

ريف ديا : بقلم عبد الله أجعون

عبدالله أجعون – ايت تعبان-
بمناسبة الذكرى 100 ( 01_06_1921) لمعركة أدهار أبران الشرارة الأولى للمقاومة المسلحة بالريف تحت قيادة محمد بن عبدالكريم الخطابي، أساهم بهذا المقالة البسيطة في التعريف بالمعركة المهملة من طرف الدولة و الباحثين الذين لم يعطوا القيمة الحقيقية لهذه المعركة التي لعبت دورا أساسيا لنجاح المقاومة المسلحة من 1921 إلى 1926 .
“التاريخ هو العمق الاستراتيجي لمن يبتغي صناعة المجد في الحاضر و المستقبل ”  سفيان الثوري
“التاريخ يعلم الإنسان الدروس ، و يجعله أكثر وعياً ، و أقدر على اتخاذ الخطوات المناسبة ”  عبد الرحمن منيف
يقع أدهار أوبران في الريف بقبيلة تمسمان وبالخصوص في جماعة بودينار، يعتبر هذا الجبل من أعلى القمم بالمنطقة ولموقعه الإستراتيجي المطل على البحر وعلى جميع مناطق تمسمان،جعل العدو الإسباني يسارع الزمن لإحتلاله ليكون كبرج مراقبة لتحركات المقاومين الريفين.
– إن لم تستطيعا الدفاع عن استقلال الريف وحقوقه فغادراه إلى مكان غيره – هذه هي الكلمات الأخيرة التي نطق بها عبد الكريم الخطابي لابنيه محمد وأَمْحَمَد في لحظاته الأخيرة قبل الموت في تفرسيث، حيث تعرض للتسمم من قبل أحد خونة الريف الذي كان يعمل جاسوسا لدى الإسبان، و كان عبد الكريم الخطابي الأب بدأ في تنظيم المقاومة ضد الاستعمار واتخذ من تفرسيث بمكان يسمى -وضيع – مركزا للمجاهدين لتصدى للأطماع الاستعمارية تحت قيادة سيلفستري الذي أصبح قائدا عاما على المناطق الريفية المحتلة من طرف إسبانيا، وهذا ( سيلفستري) جعله يطمع في توسيع نفوذه على الريف وخصوصا منطقة الحسيمة التي كانت إسبانيا لا تحتل منها إلا جزيرة أنكور، وكان – سيلفستري- يطمح في دخول جيشه من خليج الحسيمة لتسهيل احتلال ما تبقي من الريف.
وبعد وفاة الأب في 7 غشت 1920 استلم مولاي موحند قيادة المقاومة الريفية، وفي شتنبر من 1920 بدأ في عقد مع أعيان قبائل الريف اجتماعات من أجل الحديث عن كيفية التصدي للاستعمار الإسباني، وخصوصا أعيان قبيلة أيت ورياغل، القبيلة التي لم يكن يحتل فيه المستعمر إلا جزيرة أنكور، التي ( القبيلة) أصبحت مهددة بالإستعمار بعدما بدأ الإسبان في التوغل بتمسمان مما سيؤدي حتما إلي دخوله أيت ورياغل وما تبقي من الريف؛ كان التجاوب في البداية من جل القبائل قليل جدا إلا بعض من السكان اتفقوا مع مولاي موحند في مشروعه التحرري وجعلوا من جبل القامة في تمسمان مكان لتدريب المجاهيدين وكذا للاجتماعات التشاورية ولتدارس كيفية التصدي للاستعمار؛ ولكن الأطماع الإستعمراية لإسبانيا عُجلت في اندلاع المقاومة الريفية في يوم 01 يونيو 1921، حيث في فجر هذا اليوم أعطيت الأوامر بذهاب خمسة آلاف عسكري (حسب كتاب عبد الكريم الخطابي ودوره في تحرير شمال إفريقيا ) لاحتلال أدهار أوبران( ولكن هناك مصادر إسبانية تقول 1500 جندي وهذا ما ذكرته المؤرخة الإسبانية ماريا روسا في كتابه عبد الكريم الخطابي والكفاح من أجل الاستقلال، ولكن ما لم يختلف فيها جميع المؤرخون هو العدد الذي بقي المقدر ب500 جندي) التي نجحت في الوصول هناك دون أي مقاومة من السكان أو المجاهدون وهذا ما جعل القوات الاستعمارية تعتقد أن المكان أصبح أمن بعدما أقامت فيه سوراً من الحجارة تعلوه أكياس من الرمل وتتقدمها أسلاك شائكة تحسبا لأي هجوم من طرف الريفيين ، ولكن عندما تتوفر العزيمة من أجل الدفاع عن الأرض فلا شيء يقف في طريق الرجال ويكونون أقوى من الأسلاك وسور العدو وجنودهم الجبناء.
عندما علموا المجاهدون المرابطون في جبل القامة بخبر وصول العدو لجبل أوبران سارعوا للمكان بقيادة المجاهد أعمار أوفقير -أعمار التمستماني- الذي سجلت الذاكرة الجماعية قوله المشهور حينما خاطب المجاهدين قبل بدء المعركة بالقول من لم يمت فوق الأسلاك الشائكة ستبقى بناته دون زواج ( ونى ويموثن خسرك بوشكضان اذقيمنت ياسيس تعزرين) وذلك راجع على الإقبال الكبير على بنات المجاهدين الذين يستشهدون في المعارك ويتزوجون بهم.
بالإضافة لعمار التمستماني كان ابنه من بين القائدين للمعركة حيث تم توزيع المجاهدين على ثلاث مجموعات تمركزت اثنتان منها على المرتفعات غرب وشمال أدهار أوبراين، لكي تغطي بنيرانها المجموعة الثالثة التي ستشن الهجوم من الشرق ثم أخذت هذه المجموعات مواقعها دون أن تثير الانتباه وقامت بالهجوم بعد الثالثة زوالا. حينما انسحبت معظم قوات العدو، ولم تترك في مواجهتها سوى المدافعين الذين ظلوا في مواقعهم ، بعد أن تعرض هؤلاء للنيران من جهة أخرى، لم يتمكنوا من كسر الموجة الأخيرة التي تدفقت عليهم رغم استعمالها القذائف المتفجرة، عند الساعة الخامسة مساءً كان قد قضي الأمر،فقد استطاع المجاهدون الإستلاء على المركز وكذا قتل أزيد من 400 جندي إسباني وغنيمة عدد لا بأس به من الأسلحة.
هذه المعركة شارك فيها المتمركزين في مركز القامة بالإضافة المجاهدون الذين التحقوا من الدواوير المجاورة كربع أيت تعبان، حيث نجد في ذاكرتنا الجماعية أن هناك من أستشهد في المعركة من قريت ايت تعبان، ونظرا لكون المعلومات شحيحة في هذا المجال نكتفي بما توارثناه من أجدادنا حول الدور الذي لعبه ربع أيت تعبان في هذه المعركة حيث كان من بين المناطق التي استقر فيها المجاهدون قبل بدأ الغارة على العدو الإسباني.
يؤكد معظم من كتب عن تاريخ الريف سواء من المؤرخين أو أصحاب المذكرات الشخصية أن القائد مولاي موحند لم يكن حاضرا في معركة جبل أوبران، بل إنه لم يخطط للهجوم على أبران وكان الهجوم والتخطيط مفاجئا له شخصيا، حيث كان بإمزورن عندما سمع خبر الإنتصار في أبران يناقش مع الأعيان ضرورة إلتحاقهم بالمقاومة، وكانت المفاوضات فيها الكثير من العقبات ولكن خبر النصر سهل كل شيء؛وحتى محمد بن عبدالكريم لم يبقى معهم للتفاوض بل إلتحق بأرض المعركة التي اصبح كل ابناء الريف يتقاطرون عليها لتهنئة المنتصرين والإنضمام للمقاومة.
معركة أبران كانت نقطة انطلاق المقاومة الفعلية والخطوة الأولى الصحيحة لنجاح المقاومة حيث تقول ماريا روسا
– إن الحركة الريفية لولا انتصارها في أبران وسيدي إدريس لما كانت ستنجح وتحقق ما حققته خلال الخمس سنوات من المقاومة حيث يذكر ملف بيكاسو المتواجد في الأرشيف الإسباني” المقاومة الريفية قد تطورت في مسارها، وأصبحت أكثر تنظيما وتوجيها حيث صارت تتوفر على عتاد أفضل”.
بعد النصر في أبران والحماس الذي كان عند المجاهدون توجهوا نحو سيدي إدريس لتحريره من العدو في اليوم الثاني وكان النصر من حليفهم رغم تدخل الفرقة الإسبانية للتدخل السريع إلا أن القتلى في صفوف العدو كان كبيرا مما جعلهم ينسحبون نحوي أنوال.

هكذا كانت البداية للمقاومة الريفية وهذه هي الخطوة الأولى في النجاح وجعلت الأجداد ينطلقوا لتحرير أرض الريف من الاستعمار الإسباني ومن أجل أن نعيش  في وطن يتسع للجميع، وطن تسوده الكرامة والعدالة الاجتماعية ونكون فيها مواطنون وليس رعاية، ولكن الدولة العميقة لم ترضى بما قدمه الريفيون ولم تتدخل لمساعدتهم في تحرير ما تبقى من الوطن بل تحالفت مع العدو وقدمت له مساعدات كبيرة لوقف المقاومة بالريف، وساهمت في إمطار الريف بالغازات السامة بأسطولها الطيراني الذي أستعمل لأول مرة.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة adblock

المرجوا توقيف برنامج منع الإعلانات لمواصلة التصفح